حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

109

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

مدينتين ، واحدة فوق أخرى . ولهم ملوك فيهم لطف وحنان . صحبت منهم جماعة . منهم التالي وهو التابع ، بمنزلة القيل في حمير . ولم أر ملكا أكثر منه ذكرا للّه - تعالى ! - . قد شغله ذكر اللّه عن تدبير ملكه . انتفعت به . وكان كثير المجالسة لي . - ومنهم ذو آلعرف . وهو ملك عظيم . لم أر في ملوك الأرض أكثر من تأتى إليه الرسل من الملوك منه . وهو كثير الحركة . هيّن . ليّن . يصل إليه كل أحد . يتلطف في النزول . لكنه إذا غضب لم يقم لغضبه شيء . أعطاه اللّه من القوة ما شاء . « ورأيت لبحرها ملكا منيع الحمى يسمى السابح . هو قليل المجالسة مع من يقصد إليه . وما له ذلك الالتفات إلى أحد . غير أنه مع ما يخطر له ، لا مع ما يراد ( a 93 . F ) منه . ويجاوره سلطان عظيم ، اسمه السابق . إذا دخل عليه الوافد ، قام إليه من مجلسه ، وبشّ في وجهه ، وأظهر السرور بقدومه ، وقام له بجميع ما يحتاج إليه من قبل أن يسأله عن شيء . فقلت له ( ما السبب ) في ذلك ؟ فقال لي : أكره أن أرى في وجه السائل ذلّة السؤال لمخلوق ، غيره أن يذلّ أحد لغير اللّه . وما كل أحد يقف مع اللّه على قدم التوحيد . وإن أكثر الوجوه مصروفة إلى الأسباب الموضوعة ، مع الحجاب عن اللّه . فهذا يجعلني أن أبادر إلى ما ترى من كرامة الوافد » . قال : « ودخلت على ملك آخر يدعى القائم بأمر اللّه . لا يلتفت إلى الوافد عليه لاستيلاء عظمة الحق على قلبه . فلا يشعر بالوافد . وما يفد عليه ، من يفد عليه من العارفين ، إلّا لينظروا إلى حاله التي هو عليها . تراه واقفا ، قد عقد يديه إلى صدره ، عقد العبد الذليل الجاني ، مطرقا إلى موضع قدميه ؛ لا تتحرك منه شعرة ، ولا يضطرب منه مفصل . كما قيل في قوم ، هذه حالتهم مع سلطانهم : كأنّما الطّير منهم فوق أرؤسهم * لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال يتعلم العارفون منه حال المراقبة » . قال : « ورأيت ملكا يدعى بالرادع . مهيب المنظر ، لطيف المخبر ، شديد الغيرة . دائم ( b 93 . F ) الفكرة فيما كلف النظر فيه . إذا رأى أحدا يخرج عن طريق الحق ، ردّه إلى الحق » . - قال : « صحبته ، وانتفعت به . وجالست من ملوكهم كثيرا ، ورأيت منهم من العجائب ، مما يرجع إلى ما عندهم من تعظيم اللّه ، مما لو سطرناه لأعيا الكاتب والسامع . فاقتصرنا على هذا القدر من عجائب هذه الأرض . ومدائنها لا تحصى كثرة . ومدائنها أكثر من ضياعها . وجميع من يملكها من الملوك ثمانية عشر سلطانا . منهم من ذكرناه ، ومنهم من سكتنا عنه . ولكلّ ، سلطان سيرة وأحكام ليست لغيره » .